وقفات مع استحواذ أمازون على سوق.كوم

تصدر اليوم خبر استحواذ أمازون على سوق.كوم الصفحات الرئيسية للمواقع الإخبارية والتقنية. كيف لا، وسوق.كوم هي البكر والطفل المدلل للمشاريع التقنية العربية. فهي أول مشروع عربي يقيم بمليار دولار (فبراير 2016، Techcrunch)، وها هي ذي تترك بصمتها بأحد أكبر الإستحواذات في المنطقة. في هذا المقال سأحاول تلخيص أهم المراحل التي مرت بها سوق.كوم ثم سأسرد إستقرائي ورأيي حول هذه الصفقة. مع ملاحظة بأن التقرير سيعتمد على المعلومات المنشورة في المصادر الموثوقة وبالتالي قد تغيب بعض تفاصيل القصة، ولعلي أعود لاحقاً للإضافة متى ما تكشفت لنا المزيد من الأمور.

البداية من مكتوب وياهو!

مع توسع استخدام الإنترنت في المنطقة العربية، تأسست مكتوب في سنة 1998م في عمّان، الأردن كأول مقدم خدمة للبريد الإلكتروني باللغة العربية وأيضاً ونظراً لكون العديد من الأجهزة في تلك الفترة لا تدعم العربية، قدمت مكتوب لوحة المفاتيح العربية الإفتراضية. مكنت هذه اللوحة المستخدمين العرب استخدام الإنترنت والكتابة بالعربية دون الحاجة لتعريب الكمبيوتر. كما وطورت الشركة خلال العقد الأول من عمرها عدة منتجات شهيرة منها: تحدي، كاش يو، وسوق.كوم.

في يونيو 2005م استحوذت أبراج كابيتل على 40% من مكتوب (وكالة أنباء الإمارات) مقابل ما يقدر بأربعة ملايين دولار (ويكيبيديا). ثم وفي نهاية ديسمبر 2007م باعت حصتها إلى تايغر قلوبال مانجمنت (عربيان بزنس) بقيمة غير معلنة، ولكن التوقعات أنها بين 5 و 7 مليون دولار.

لاحقاً وفي سنة 2009م تم الإستحواذ على مكتوب من قبل ياهو بقيمة 164 مليون دولار (CIMA). وشمل الإستحواذ بريد مكتوب، واقسام مكتوب المتعلقة بالمحتوى (مكتوب الرياضة، مكتوب التدوين، أصحاب مكتوب وغيرها)، واستثني من الإستحواذ بعض الأقسام أو الشركات من مكتوب والتي تحولت لاحقاً إلى مجموعة جبّار، شملت هذه المجموعة الجديدة: سوق.كوم تأسست 2005م، كاش يو تأسست 2002م، لعبة تحدي تأسست 2008م، أيكو تأسست 2005م، ومحرك البحث عربي تأسس 2006م (ستارتب أب أرابيا). الجدير بالذكر بأن استحواذ ياهو استثنى معظم الفريق الإداري عملية الإستحواذ وبالتالي انتقل الفريق وكان على رأسهم سميح طوقان، رونالدو مشحور والمستثمر تايغر قلوبال مانجمنت إلى شركة جبّار.

الجدير بالذكر أنه وقبل استحواذ ياهو، مكتوب كانت تسمى “ياهو الشرق الأوسط” (كتاب Innovation in emerging markets). تلك الصفقة كانت أحد أول الصفقات العربية والتي ألهمت الكثير من رواد الأعمال العرب لبناء المشاريع طمعاً في بيعها على كبرى الشركات العالمية. ولكن البعض يرى أن ياهو لم تستفيد من الزيارات التي حصلت عليها من مكتوب لأن مصدر معظمها كان من المنتديات، والتي قامت قوقل بتعديل خوارزميتها لتفاديها نظراً لتكرار المحتوى وقلة مستواه. أيضاً يعتبر البعض أن عملية الإستحواذ كانت مجاملة سياسية أكثر من كونها عملية تجارية (أرب كرنش). في سنة 2015 قررت ياهو إيقاف عملياتها في منطقة الشرق الأوسط و إغلاق مكاتبها، ولكن لا يزال موقع مكتوب متاحاً للزوار (ويكيبديا).

دورة حياة سوق.كوم!

تحت إدارة مجموعة جبّار، إنطلقت سوق.كوم في سنة 2009م لتغزو منطقة الخليج ومصر وتوثق إسمها خلال الثمان سنوات القادمة لتكون أكبر سوق إلكتروني عربي، وتسوق لنفسها كـ “أمازون الشرق الأوسط”. أهم المراحل التي مرت بها سوق.كوم قبل الإستحواذ عليها يمكن تلخيصها بالتالي:

  1. إنفصال الشركة عن مكتوب بعد إستحواذ ياهو عليه.
  2. تأسيس سكر ضمن مجموعة جبّار في سنة 2010م وثم إستحواذ سوق.كوم عليه في 2012م. وكانت هذه تمثل الذراع المنافس ل (MarkaVIP).
  3. الإستثمار في (Run2Sport) بقيمة 2.5 مليون دولار (2012 عرب نت) ومن إغلاقه أو دمجه ضمن المجموعة. وكانت هذه الشركة تمثل الذراع الرياضي لسوق.كوم.
  4. إقفال أول جولة استثمارية كسوق.كوم في أكتوبر 2012 (ومضة)، بدخول كل من نابستر لمتيد وتايغر قلوبال مانجمنت والتي كانت مستثمر سابق في مكتوب. تذكر بعض الإشاعات أن قيمة هذه الجولة كان حوالي 40 مليون دولار. أحد أهم أهداف هذه الجولة كان التوسع في السعودية ومصر، وتطوير شبكة الخدمات اللوجستية لتحسين الخدمة (ومضة).
  5. مجموعة جبّار تطلق في يونيو 2013 مشروعها الجديد (باي فورت) منبثق من (كاش يو)، ويحاول معالجة سلبيات الأخير. بالإضافة لجبّار اسثتمر في المشروع مع إطلاقة نابستر وتايغر قلوبال (ومضة). مع الإطلاقة ونظراً لكون المشروع يعتبر شقيق لسوق.كوم، يتخوف الكثير من أصحاب المتاجر الإلكترونية ومنافسي سوق.كوم من تسرب معلوماتهم وبياناتهم للشركة، باي فورت أكدت أنها تتمتع بإدارة مستقلة عن المجموعة. سوق.كوم باعت كاش يو لمستثمرين في ديسمبر 2015.
  6. في مارس 2014م، حصلت سوق.كوم على تمويل إضافي من نابستر لميتد قيمته 75 مليون دولار، على تقييم في حدود 400 مليون دولار (وب رازي). الهدف من هذه الجولة، حسب ماصرح به رونالدو مشحور، سيكون للتطوير التقني والموبايل، واضاف بأن جزء منها سيكون لإستقطاب الكفاءات وتحسين مستوى الخدمة.
  7. إقفال الجولة الإستثمارية الثانية في فبراير 2016م، بقيادة تايغر قلوبال ومشاركة: نابستر، ستاندر شارتيد، بيلي قيفورد وعدد من المستثمرين الآخرين (تيك كرنش). إجمالي قيمة الجولة كان 275 مليون دولار، وكانت بعض التقارير تشير بأن تقييم الشركة بلغ المليار دولار. أهداف الجولة كما ذكرها المؤسس، بأنها ستكون للتوسع من خلال إضافة أصناف منتجات جديدة، تطوير شبكة التوزيع اللوجستية، التطوير التقني وتوظيف الكفاءات.
  8. بعد إقفال الجولة الإستثمارية السابقة بأربعة أشهر وفي مقابلة مع رونالدو (عربيان بزنس)، تحدث عن الأهداف المستقبلية لسوق.كوم وكانت تتلخص في استهدافه لطرح الشركة في سوق المال، خلال سنتين، وذلك بعد إقفاله لجولة استثمارية بحجم جيد.
  9. سوق.كوم تستثمر في (ونق) تطبيق للمقارنة بين أسعار شركات الشحن في الإمارات (انتربنور اغسطس 2016).
  10. نبستر وتايغر يبدون رغبتهم ببيع جزء من حصتهم في سوق.كوم والتي تقدر ب 30%، وكما اتضح لاحقاً بأنه تم تعيين قولدمان ساكس لإيجاد المستثمر (ارابيان بزنس سبتمر 2016).
  11. سوق.كوم تستثمر في (انستاشوب) تطبيق لبيع منتجات البقالة في دبي (انتربنور اكتوبر 2016).
  12. 3 نوفمبر 2016، أمازون تعلن عن اهتمامها لشراء حصة في سوق.كوم (بلومبرغ).
  13. 13 نوفمبر 2016، رئيس مجلس إدارة إعمار محمد العبّار يعلن عن موعد إطلاق منصة نون في بداية يناير 2017. ليدخل في منافسة مباشرة مع سوق.كوم بميزانية قدرها مليار دولار سيساهم في صندوق الإستثمارات العامة السعودي بنسبة 50% (تيك فيو).
  14. 14 نوفمبر 2016، سوق.كوم تدخل قطاع منتجات البقالة (تيك فيو).
  15. أمازون تعلن ايقاف المفاوضات والإنسحاب من صفقة شراء 30% بتقييم المليار دولار لسوق.كوم في 18 يناير 2017 (أرابيان بزنس).
  16. سوق.كوم تعلن عن إتفاقية مع حكومة الإمارات للتشجيع على القراءة وإطلاق منصة لبيع الكتب ضمن سوق تحتوي على أكثر من 6 ملايين كتاب (أربيان بزنس 3 مارس 2017).
  17. بلومبرق تنشر مقالة تزعم بأنه ووفقاً لمصادرها الخاصة، أمازون تعاود المفاوضة للإستحواذ على سوق.كوم بقيمة 650 مليون دولار (9 مارس 2017).
  18. 26 مارس 2017م إعمار تتقدم بعرض لشراء سوق.كوم بقيمة 800 مليون دولار (بلومبرق).
  19. 28 مارس 2017م عدة مصادر تؤكد على وصول أمازون وسوق.كوم لإتفاق دون إفصاح للقيمة والتي يتوقع بأنها تتراوح بين 580 و 750 مليون دولار (تيك كرنش، فينتشر بيت).

من الرابح في هذه الصفقة؟

يتضح من التسلسل الزمني بأن العرض في البداية كان أن تشتري أمازون حصة 30% بما يقيم الشركة بمبلغ مليار دولار، وهذا هو التقييم الذي حدد في الجولة الإستثمارية الأخيرة. أي أن أمازون كانت تتفاوض لشراء 30% من الشركة بقيمة 300 مليون دولار تقريباً، ولكنها انتهت بشراء 100% بقيمة تتراوح بين 580 و 750 مليون دولار. وهذا تخفيض ممتاز على العرض. ولكن ماذا عن القيمة الفعلية للشركة؟ خلال عمر سوق.كوم تم ضخ مبالغ نقدية مباشرة قيمتها 390 مليون دولار، بدون أخذ القيمة الأساسية التي نقلت للشركة بعد انفصالها عن مكتوب، وبدون الأخذ بالإعتبار القيمة الزمنية للنقد، وبدون أخذ السمعة والمكانة في السوق، تكون الشركة قد حققت بين 1.49 و 1.92 مضاعف. وهو رقم منخفض جداً للمشاريع الناشئة.

طبعاً ونظراً لدخول نون على خط المنافسة، فإن سوق.كوم أصبحت في موقف أصعب مما سبق. خصوصاً ومع توسع عمليات سوق.كوم ودخولها في مجالات متعددة يجعل من عملية ضبط العمليات وتحسين جودة الخدمة عملية صعبة جداً. على عكس نون التي ستبدأ ولديها سجل واضح بالأخطاء والمشاكل المتوقعة التي بالإمكان تصميم النظام مبكراً لتفاديها. التخارج في هذه المرحلة كان صعباً جداً، ولكن قدرة الفريق على إدارة العملية والتخارج بشكل مشرف يحسب لهم.

ما الذي سيتغير، أتوقع أن لا يتغير شي في القريب، أمازون ستبقي على سوق.كوم كما هي مع الإنتظار لحين إطلاق نون. وبناءاً على مستوى خدمات نون وتأثيره على مبيعات سوق.كوم ستحدد أمازون الخطوة القادمة. شخصياً كنت أتمنى لو كان سوق.كوم مملوكاً لمستثمرين محليين، ويبقى هو منصة منافسة لأمازون أو غيرها من المنصات العالمية التي تحاول اختراق السوق الخليجي والمصري.

أتوقع أنه كما عانت ياهو سابقاً في المنتديات فإن أمازون أيضاً ستعاني في إدارة بضائع العارضين لمنع المقلد منها.

وماذا بعد!

تجربة سوق.كوم تجربة فريدة ومهمة، فبداية هي تشكل نقلة نوعية حراك ريادة الأعمال والمشاريع التقنية. على الرغم من وجود عدة قصص تخارج رائعة كمكتوب، وطلبات، وهنقرستيشن. إلا أني أؤمن بأن الدروس التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة تفوق تلك بمراحل عديدة. سأحاول تلخيص أهم ما لدي الآن ولعلي أعود لاحقاً للإضافة، وبكل تأكيد سأسعد بالإطلاع على تعليقاتكم سواء الموافقة، المعارضة، أو التي تلخص فوائد لم اسجلها.

  1. أهمية التشبيك وبناء العلاقات للمدى البعيد. سوق.كوم استفادت كثيراً من علاقاتها مع أرامكس والعكس كذلك. أيضاً لا ننسى الدور الرئيسي الذي لعبه المستثمر الرئيسي لسوق.كوم تايغر، الذي واصل العمل مع سوق.كوم بعد تخارجه من مكتوب، حتى أوصله لإستحواذ أمازون.
  2. الحس التجاري أهم من البحث عن الكمال. لي تجارب شخصية أو للأقرباء مع سوق.كوم قديمة وجديدة، لا استطيع القول عنها بأنها جيدة. طبعاً الأمور في تحس دائم، وبعض المشاكل خارج نطاق سيطرة سوق.كوم مثل الدفعات، أو الشحن، أو البضائع التي تشترى من البائعين المستقلين. ولكن الدرس هنا أنه في حالات كثيرة تحديد احتياج العميل والإنطلاق لتفيذ العمل مع التعديل والتصحيح والتحسين المستمر، أفضل من الإنتظار.
  3. عندما تصل شركتك لمرحلة من النضوج، قد يكون الأفضل التوسع من خلال الإستثمار في مشاريع ناشئة أو الإستحواذ عليها، بدل محاولة بناءها من الصفر ضمن المنظومة.
  4. الإفصاح عن المعلومات الداخلية للشركة من خلال الحديث مع الإعلام عنصر مساعد ومهم، ولكن من المهم التعامل معه بذكاء وحسب الحاجة. فكلما افصحت عن معلومات أقل كلما كان لديك حماية ضد الانكشاف للمنافسين.
  5. كما أن البدء بالوقت الصحيح مهم حتى وإن لم يبلغ المنتج حد الكمال، فإن التوقف في الوقت الصحيح أيضاً مهم حتى وإن لم يتم تحقيق كافة الأهداف.
  6. اخيراً، مع دخول اكتمال الثلاثي: أمازون، نون، سوق.كوم. أتوقع أن سوق منصات البيع في المنطقة اصبح مكتضاً خصوصاً لو أخذنا في الحسبان نمشي ووادي. بالتالي قد لا يكون من الملائم التفكير في الدخول ومنافستهم. لكن مع وجود هؤلاء اللاعبين الكبار، أتوقع أن منصات البيع المتخصصة ستنتعش وستكون فرصة ممتازة لبناءها ومن ثم التخارج من خلال بيعها على أحدهم.

كل التوفيق لفريق سوق.كوم، وبإنتظار مغامرتهم القادمة.

14 thoughts on “وقفات مع استحواذ أمازون على سوق.كوم

  1. متأكد ان سوق.كوم ستستفيد من عملية الاستحواذ
    لكن “”كنت أتمنى لو كان سوق.كوم مملوكاً لمستثمرين محليين””

    إعجاب

    • بكل تأكيد لو تتكلم عن سوق.كوم فإن فرص بقاءها واستمرارها افضل مع أمازون.
      ما وضح لي مقصدك من الإقتباس، سوق.كوم أسسه عرب ولكن غالب إن لم يكن كل المستثمرين أجانب من خارج منطقة الشرق الأوسط، تمنيت لو أنهم من المنطقة وقاتلوا لبقاءه كشركة محلية كما هو الحال في الصين والهند. وهذا رأي قد أكون مصيب أو مخطئ فيه

      إعجاب

      • الاقتباس مؤكد لكلامك استاذي جاسم لكن يبدوا اني اقتبست جزء من الكلام
        وهو اني تمنيت لو ان المستثمر كان محلي وكان يطمح لمنافسة امازون
        لكن ممكن سبب البيع هو الخوف من المنافس الجديد “نون”

        إعجاب

      • شكراً على التوضيح أخوي نايف
        أكيد نون أحد العناصر، يبقى أن الوقت هو من سيوضح كل الأمور
        تحياتي

        إعجاب

  2. مقال عميق .. والدروس المستخلصه من التجربه غنيه وقيمه .. استمتعت بقراءة المقال رغم طوله .. شكرا لمجهودك

    إعجاب

  3. استغرب منك استاذي عدم تطرقك لحراج. هل حراج يخالف الفكرة اللي ذكرتها بأن التعاون مع الشركات مثل تعاون سوق.كوم و ارامكس؟؟

    إعجاب

  4. مقال مميز.

    في تصوري السوق العربي لازال توجد فيه فرص لمنافسة أمازون ونون وسوق.كم، واقصد التخصصية في المنافسة بمنتج، او استغلال هذه ٣ منصات للتسويق. زابوس استحوذت عليها أمازون مع انه منافس صغير لها.

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s